ريحانةالشرق
03-17-2008, 04:40 PM
نسب النبي صلَّى الله عليه وسلم وأسرته 6- 1 - نسب النبي (صلَّى الله عليه وسلم): لنسب النبي صلَّى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء: جزء اتفق على صحته أهل السير والأنساب وهو إلى عدنان، وجزء اختلفوا فيه ما بين متوقف فيه وقائل به، وهو ما فوق عدنان إلى إبراهيم عليه السلام، وجزء لا نشك أن فيه أموراً غير صحيحة، وهو ما فوق إبراهيم إلى آدم عليهما السلام، وقد أسلفنا الإشارة إلى بعض هذا، وهاك تفصيل تلك الأجزاء الثلاثة: الجزء الأول: محمد بن عبدا لله بن عبد المطلب -واسمه شيبة - بن هاشم -واسمه عمرو - بن عبد مناف -واسمه المغيرة - بن قصي -واسمه زيد - بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤ ي بن غالب بن فهر -وهو الملقب بقريش وإليه تنتسب القبيلة- بن مالك بن النضر -واسمه قيس - بن كنانة بن خزيمة بن مدركة -واسمه عامر - بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان . الجزء الثاني: ما فوق عدنان، وعدنان هو ابن أد بن هميسع بن سلامان بن عوص بن بوز بن قموال بن أبي بن عوام بن ناشد بن حزا بن بلداس بن يدلاف بن طابخ بن جاحم بن ناحش بن ماخي بن عيض بن عبقر بن عبيد بن الدعا بن حمدان بن سنبر بن يثربي بن يحزن بن يلحن بن أرعوي بن عيض بن ديشان بن عيصر بن أفناد بن أيهام بن مقصر بن ناحث بن زارح بن سمي بن مزي بن عوضة بن عرام بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام. الجزء الثالث:ما فوق إبراهيم عليه السلام، وهو ابن تارح -واسمه آزر - بن ناخور بن ساروع -أوساروخ - بن راعو بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح -عليه السلام - بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ -يقال هو إدريس عليه السلام - ابن يرد بن مهلائيل بن قينان بن آنوشة بن شيث بن آدم عليهما السلام. 6- 2 - الأسرة النبوية: تُعرفْ أسرته صلَّى الله عليه وسلم بالأسرة الهاشمية -نسبة إلى جده هاشم بن عبد مناف - وإذن فلنذكر شيئاً من أحوال هاشم ومن بعده. 1-هاشم، وقد أسلفنا أن هاشماً هو الذي تولى السقاية والرفادة من بني عبد مناف حين تصالح بنو عبد مناف وبنو عبد الدار على اقتسام المناصب فيما بينهما، وهاشم كان موسراً ذا شرف كبير، وهو أول من أطعم الثريد للحجاج بمكة، وكان اسمه عمرو فما سمي هاشماً إلا لهشمه الخبز، وهو أول من سن الرحلتين لقريش، رحلة الشتاء والصيف، وفيه يقول الشاعر: عمرو الذي هشم الثريد لقومه وم بمكة مسنتين عجاف سنت إليه الرحلتان كلاهما فر الشتاء ورحلة الأصياف ومن حديثه أنه خرج إلى الشام تاجراً، فلما قدم المدينة تزوج سلمى بنت عمرو أحد بني عدي بن النجار، وأقام عندها، ثم خرج إلى الشام -وهي عند أهلها قد حملت بعبد المطلب - فمات هاشم بغزة من أرض فلسطين، وولدت امرأته سلمى عبد المطلب سنة 497م، وسمته شيبة لشيبة كانت في رأسه، وجعلت تربيه في بيت أبيها في يثرب، ولم يشعر به أحد من أسرته بمكة وكان لهاشم أربعة بنين وهم: أسد ، وأبو صيفي، ونضلة، وعبد المطلب. وخمس بنات وهي:الشفاء، وخالدة، وضعيفة، ورقية، وجنة. 2-عبد المطلب، قد علمنا ممّا سبق أن السقاية والرفادة بعد هاشم صارت إلى أخيه المطلب بن عبد مناف (وكان شريفاً مطاعاً ذا فضل في قومه، كانت قريش تسميه الفياض لسخائه ) ولما صار شيبة -عبد المطلب - وصيفاً أو فوق ذلك سمع به المطلب. فرحل في طلبه، فلما رآه فاضت عيناه، وضمه، وأردفه على راحلته، فامتنع حتى تأذن له أمه، فسألها المطلب أن ترسله معه، فامتنعت فقال: إنما يمضي إلى ملك أبيه، وإلى حرم الله، فأذنت له، فقدم به مكة مردفة على بعيره، فقال الناس: هذا عبد المطلب، فقال ويحكم إنما هو ابن أخي هاشم.. فأقام عنده حتى ترعرع، ثم إن المطلب هلك يردمان من أرض اليمن ، فولى بعده عبد المطلب، فأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون لقومهم، وشرف في قومه شرفاً لم يبلغه أحد من آبائه، وأحبه قومه، وعظم خطره فيهم. ولما مات المطلب وثب نوفل على أركاح عبد المطلب فغصبه إياها، فسأل رجالاً من قريش النصرة على عمه، فقالوا لا ندخل بينك وبين عمك. فكتب إلى أخواله من بني النجار أبياتاً يستنجدهم، وسار خاله أبو سعد بن عدي في ثمانين راكباً، حتى نزل بالأب طح من مكة ، فتلقاه عبد المطلب، فقال: المنزل، يا خال! فقال:لا والله حتى ألقى نوفلا، ثم أقبل فوقف نوفل، وهو جالس في الحجر مع مشايخ قريش ، فسل أبو سعد سيفه وقال: ورب البيت لئن لم ترد على ابن أختي أركاحه لأمكنن منك هذا السيف، فقال: رددتها عليه، فأشهد عليه مشايخ قريش ، ثم نزل على عبد المطلب، فأقام عنده ثلاثاً، ثم اعتمر ورجع إلى المدينة ، فلما جرى ذلك حالف نوفل بني عبد شمس بن عبد مناف على بني هاشم، ولما رأت خزاعة نصر بني النجار لعبد المطلب قالوا: نحن ولدناه كما ولدتموه، فنحن أحق بنصره -وذلك أن أم عبد مناف منهم - فدخلوا دار الندوة، وحالفوا بني هاشم على بني عبد شمس ونوفل، وهذا الحلف صار سبباً لفتح مكة كما سيأتي. ومن أهم ما وقع لعبد المطلب من أمور البيت شيئان:حفر بئر زمزم ووقعة الفيل. وخلاصة الأول أنه أمر في المنام بحفر زمزم ووصف له موضعها، فقام يحفر، فوجد فيه الأشياء التي دفنها الجراهمة حين لجأوا إلى الجلاء، أي السيوف والدروع والغزالين من الذهب، فضرب الأسياف باباً للكعبة، وضرب في باب الغزالين، وأقام سقاية زمزم للحجاج. ولما بدت بئر زمزم نازعت قريش عبد المطلب، وقالوا له: أشركنا قال ما أنا بفاعل، هذا أمر خصصت به، فلم يتركوه حتى خرجوا به للمحاكمة إلى كاهنة بني سعد، ولم يرجعوا حتى أراهم الله في الطريق ما دلهم على تخصيص عبد المطلب بزمزم، وحينئذ نذر عبد المطلب لئن آتاه الله عشرة أبناء، وبلغوا أن يمنعوه لينحرن أحدهم عند الكعبة. وخلاصة الثاني أن أبرهة الصباح الحبشي، النائب العام عن النجاشي على اليمن ، لما رأى العرب يحجون الكعبة بنى كنيسة كبيرة بصنعاء، وأراد أن يصرف حج العرب إليها، وسمع بذلك رجل من بني كنانة ، فدخلها ليلاً فلطخ قبلتها بالعذرة. ولما علم أبرهة بذلك ثار غيظه، وسار بجيش عرمرم -عدده ستون ألف جندي - إلى الكعبة ليهدمها، واختار لنفسه فيلاً من أكبر الفيلة، وكان في الجيش 9 فيلة أو 13 فيلاً، وواصل سيره حتى بلغ المغمس، وهناك عبأ جيشه، وهيأ فيله، وتهيأ لدخول مكة ، فلما كان في وادي محسر بين المزدلفة ومنى برك الفيل، ولم يقم ليقدم إلى الكعبة، وكانوا كلما وجهوه إلى الجنوب أو الشمال أو الشرق يقول يهرول، وإذا صرفوه إلى الكعبة برك، فبينا هم كذلك إذ أرسل الله {عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ. تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ. فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ }، وكانت الطير أمثال الخطاط يف والبلسان، مع كل طائر ثلاثة أحجار، حجر في منقاره، وحجران في رجليه أمثال الحمص، لا تصيب منهم أحداً إلا صار تتقطع أعضاؤه، وهلك، وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يموج بعضهم في بعض فتساقطوا بكل طريق، وهلكوا على كل منهل، وأما أبرهة فبعث الله عليه داء تساقطت بسببه أنامله، ولم يصل إلى صنعاء إلا وهو مثل الفرخ، وانصدع صدره عن قلبه ثم هلك. وأما قريش فكانوا قد تفرقوا في الشعاب وتحرزوا في رؤوس الجبال، خوفاً على أنفسهم من معرة الجيش، فلما نزل بالجيش ما نزل رجعوا إلى بيوتهم آمنين. وكانت هذه الوقعة في شهر المحرم قبل مولد النبي صلَّى الله عليه وسلم بخمسين يوماً أو بخمسة وخمسين يوماً -عند الأكثر - وهو يطابق أواخر فبراير أو أوائل مارس سنة 571م، وكانت تقدمة قدمها الله لنبيه وبيته، لأنا حين ننظر إلى بيت المقدس نرى أن المشركين من أعداء الله تسلطوا على هذه القبلة، وأهلها مسلمون كما وقع لبختنصر سنة 587ق.م، والرومان سنة 70م، ولكن الكعبة لم يسيطر عليها النصارى -وهم المسلمون إذ ذاك - مع أن أهلها كانوا مشركين. وقد وقعت الواقعة في الظروف التي يبلغ نبأها إلى معظم المعمورة المتحضرة إذ ذاك، فالحبشة كانت لها صلة قوية بالرومان، والفرس لا زالون لهم بالمرصاد، يترقبون ما نزل بالرومان وحلفائهم، ولذلك سرعان ما جاءت الفرس إلى اليمن بعد هذه الوقعة، وهاتان الدولتان كانتا تمثلان العالم المتحضر. فهذه الوقعة لفتت أنظار العالم ودلته على شرف بيت الله، وأنه هو الذي اصطفاه الله للتقديس، فإذن لو قام أحد من أهله بدعوى النبوّة كان ذلك هو عين ما تقتضيه هذه الوقعة، وكان تفسيراً للحكمة الخفية التي كانت في نصرة الله المشركين ضد أهل الإيمان بطريق يفوق عالم الأسباب. وكان لعبد المطلب عشرة بنين، وهم: الحارث والزبير وأبو طالب، وعبد الله، وحمزة، وأبو لهب، والغيداق، والمقوم، وصفار، والعباس، وقيل: كانوا أحد عشر، فزادوا ولداً اسمه فثم، وقيل: كانوا ثلاثة عشر، فزادوا عبد الكعبة وحجلا، وقيل: إن عبد الكعبة هو المقوم، وحجلا هو والغيداق ولم يكن من أولاده رجل اسمه فثم، وأما البنات فست وهن: أم الحكيم -وهي البيضاء - وبرة وعاتكة وصفية وأروى وأميمة. 3-عبد الله والد رسول الله صلَّى الله عليه وسلم، أمه فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة، وكان عبد الله أحسن أولاد عبد المطلب، وأعفهم وأحبهم إليه، وهو الذبيح، وذلك أن عبد المطلب لما تم أبناؤه عشرة، وعرف أنهم يمنعونه أخبرهم بنذره فأطاعوه، فكتب أسماءهم في القداح، وأعطاهم قيم هبل، فضرب القداح فخرج القدح على عبد الله، فأخذه عبد المطلب، وأخذ الشفرة، ثم أقبل به إلى الكعبة ليذبحه، فمنعته قريش ولاسيما أخواله من بني مخزوم وأخوه أبو طالب، فقال عبد المطلب: فكيف أصنع بنذري فأشاروا عليه أن يأتي عرافة فيستأ مرها، فأتاها، فأمرت أن يضرب القداح على عبد الله وعلى عشر من الإبل، فإن خرجت على عبد الله يزيد عشراً من الإبل حتى يرضى ربه، فإن خرجت على الإبل نحرها، فرجع وأقرع بين عبد الله وبين عشر من الإبل فوقعت القرعة على عبد الله فلم يزل يزيد من الإبل عشراً عشراً ولا تقع القرعة إلا عليه إلى أن بلغت الإبل مائة فوقعت القرعة عليها، فنحرت عنه، ثم تركها عبد المطلب لا يرد عنها إنساناً ولا سبعاً، وكانت الدية في قريش وفي العرب عشراً من الإبل، فجرت بعد هذه الوقعة مائة من الإبل، وأقرها الإسلام، وروي عن النبي صلَّى الله عليه وسلم أنه قال: أنا ابن الذبيحين يعني إسماعيل، وأباه عبد الله. واختار عبد المطلب لولده عبد الله آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وهي يومئذ تعد أفضل امرأة في قريش نسباً وموضعاً، وأبوها سيد بني زهرة نسباً وشرفاً، فبنى بها عبد الله في مكة ، وبعد قليل أرسله عبد المطلب إلى المدينة يمتاز لهم تمراً، فمات بها، وقيل: بل خرج تاجراً إلى الشام، فأقبل في عير قريش ، فنزل بالمدينة وهو مريض فتوفي بها، ودفن في دار النابغة الجعدي، وله إذ ذاك خمس وعشرون سنة، وكانت وفاته قبل أن يولد رسول الله صلَّى الله عليه وسلم، وبه يقول أكثر المؤرخين، وقيل: بل توفي بعد مولده بشهرين. ولما بلغ نعيه إلى مكة رثته آمنة بأروع المراثي، قالت: عفا جانب البطحاء من ابن هاشم جاور لحداً خارجاً في الغماغم دعته المنايا دعوة فأجابها ما تركت في الناس مثل ابن هاشم عشية راحوا يحملون سريره عاوره أصحابـــــه في التزاحم فإن تك غالته المنايــــــــا وريبها قد كان معطاء كثير التراحم وجميع ما خلفه عبد الله خمسة أجمال، وقطعة غنم، وجارية حبشية اسمها بركة وكنيتها أم أيمن، وهي حاضنة رسول الله صلَّى الله عليه وسلم. المولد وأربعون عاماً قبل النبوة 7- 1 - المولد: ولد سيد المرسلين صلَّى الله عليه وسلم بشعب بني هاشم بمكة في صبيحة يوم الاثنين التاسع من شهر ربيع الأول، لأول عام من حادثة الفيل، ولأربعين سنة خلت من ملك كسرى أنوشروان، ويوافق ذلك العشرين أو الثاني والعشرين من شهر أبريل سنة 571م حسبما حققه العالم الكبير محمد سليمان المنصور فوري والمحقق الفلكي محمود باشا. وروى ابن سعد أن أم رسول الله صلَّى الله عليه وسلم قالت: لما ولدته خرج من فرجي نور أضاءت له قصور الشام، وروى أحمد عن العرباض بن سارية ما يقارب ذلك. وقد روي أن إرهاصات بالبعثة وقعت عند الميلاد، فسقطت أربع عشرة شرفة من إيوان كسرى، وخمدت النار التي يعبدها المجوس، وانهدمت الكنائس حول بحيرة ساوة بعد أن غاضت، روى ذلك البيهقي ولا يقره محمد الغزالي. ولما ولدته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب تبشره بحفيده، فجاء مستبشراً ودخل به الكعبة، ودعا الله وشكر له، واختار له اسم محمد -وهذا الاسم لم يكن معروفاً في العرب -وختنه يوم سابعه كما كان العرب يفعلون. وأول من أرضعته من المراضع -بعد أمه صلَّى الله عليه وسلم - ثويبة مولاة أبي لهب بلبن ابنٍ لها يقال له مسروح، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي. 7- 2 - في بني سعد: وكانت العادة عند الحاضرين من العرب أن يلتمسوا المراضع لأولادهم، ابتعاداً لهم عن أمراض الحواضر؛ لتقوى أجسامهم، وتشتد أعصابهم، ويتقنوا اللسان العربي في مهدهم، فالتمس عبد المطلب لرسول الله صلَّى الله عليه وسلم الرضعاء، واسترضع له امرأة من بني سعد ابن بكر -وهي حليمة بنت أبي ذؤيب - وزوجها الحارث بن عبد العزى المكنى بأبي كبشة، من نفس القبيلة. وإخوته صلَّى الله عليه وسلم هناك من الرضاعة عبدالله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، وحذافة أو جذامة بنت الحارث (وهي الشيماء -لقب غلب على اسمها -) وكانت تحضن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله صلَّى الله عليه وسلم. وكان عمه حمزة بن عبد المطلب مسترضعاً في بني سعد بن بكر ، فأرضعت أمه رسول الله صلَّى الله عليه وسلم يوماً وهو عند أمه حليمة، فكان حمزة رضيع رسول الله صلَّى الله عليه وسلم من وجهين، من جهة ثويبة، ومن جهة السعدية. ورأت حليمة من بركته صلَّى الله عليه وسلم ما قصّت منه العجب، ولنتركها تروي ذلك مفصلاً: قال ابن إسحاق:كانت حليمة تحدث: أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه، في نسوة من بني سعد بن بكر ، تلتمس الرضعاء قالت: وذلك في سنة شهباء لم تبق لنا شيئاً، قالت: فخرجت على أتان لي قمراء، معنا شارف لنا، والله ما تبض بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا، من بكائه من الجوع، ما في ثديي ماي غنيه، وما في شارفنا ما يغذيه، ولكن كنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتاني تلك فلقد أدمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفاً وعجفاً، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلَّى الله عليه وسلم فتأباه، إذا قيل لها إنه يتيم، وذلك أنا كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم! وما عسى أن تصنع أمه وجده! فكنا نكرهه لذلك فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعاً غيري، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعاً، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه. قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. قالت: فذهبت إليه، فأخذته، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره، قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي، ثم نام، وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا هي حافل، فحلب منها ما شرب وشربت معه حتى انتهينا رياً وشبعاً، فبتنا بخير ليلة، قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة! لقد أخذت نسمة مباركة، قالت: فقلت: والله إني لأرجو ذلك، قالت: ثم خرجنا وركبت أنا أتاني، وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بالركب مالا يقدر عليه شيء من حمرهم، حتى إن صواحبي ليقلن لي: يا ابنة أبي ذؤيب، ويحك! أربعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله! إنا لهي هي، فيقلن: والله إن لها شأناً، قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد وما أعلم أرضاً من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح عليّ حين قدمنا به معنا شباعاً لبناً، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعاً ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعاً لبناً، فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاماً جفراً، قالت: فقدمنا به على أمه ونحن أحرص على مكثه فينا، لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمه، وقلت لها: لو تركت ابني عندي حتى يغلظ، فإني أخشى عليه وباء مكة ، قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا. وهكذا بقي رسول الله صلَّى الله عليه وسلم في بني سعد، حتى إذا كانت السنة الرابعة أو الخامسة من مولده وقع حادث شق صدره، روى مسلم عن أنس أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم أتاه جبريل، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده إلى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه -يعني ظئره - فقالوا: إن محمداً قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. 7- 3 - إلى أمه الحنون: وخشيت عليه حليمة بعد هذه الوقعة حتى ردته إلى أمه، فكان عند أمه إلى أن بلغ ست سنين. ورأت آمنة وفاء لذكرى زوجها الراحل أن تزور قبره بيثرب، فخرجت من مكة قاطعة رحلة تبلغ خمسمائة كيلومتراً، ومعها ولدها اليتيم -محمد صلَّى الله عليه وسلم - وخادمتها أم أيمن، وقيمها عبد المطلب، فمكثت شهراً، ثم قفلت، وبينما هي راجعة إذ يلاحقها المرض، ويلح عليها في أوائل الطريق، فماتت بالأبواء بين مكة والمدينة. 7- 4 - إلى جده العطوف: وعاد به عبد المطلب إلى مكة ، وكانت مشاعر الحنو في فؤاده تربو نحو حفيده اليتيم، الذي أصيب بمصاب جديد نكأ الجروح القديمة، فرق عليه رقة لم يرقها على أحد من أولاده، فكان لا يدعه لوحدته المفروضة، بل يؤثره على أولاده، قال ابن هشام: كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالاً له، فكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام جفر حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني هذا فوالله إن له لشأناً، ثم يجلس معه على فراشه، ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع. ولثماني سنوات وشهرين وعشرة أيام من عمره صلَّى الله عليه وسلم توفي جده عبد المطلب بمكة، ورأى قبل وفاته أن يعهد بكفالة حفيده إلى عمه أبي طالب شقيق أبيه. 7- 5 - إلى عمه الشقيق: ونهض أبو طالب بحق ابن أخيه على أكمل وجه، وضمه إلى ولده، وقدمه عليهم، واختصه بفضل احترام وتقدير، وظل فوق أربعين سنة يعز جانبه، ويبسط عليه حمايته، ويصادق ويخاصم من أجله، وستأتي نبذ من ذلك في مواضعها. 7- 6 - يستسقي الغمام بوجهه: أخرج ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة قال: قدمت مكة وهم في قحط، فقالت قريش : يا أبا طالب! أقحط الوادي، وأجدب العيال، فهلم فاستسق، فخرج أبو طالب ومعه غلام، كأنه شمس دجن، تجلت عنه سحابة قثماء، حوله أغيلمة، فأخذه أبو طالب، فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ بإصبعه الغلام، وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من ههنا وههنا، وأغدق واغدودق، وانفجر الوادي وأخضب النادي والبادي، وإلى هذا أشار أبو طالب حين قال: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه مال اليتامى عصمة للأرامل 7- 7 - بحيرا الراهب: ولما بلغ رسول الله صلَّى الله عليه وسلم اثنتي عشرة سنة -قيل وشهرين وعشرة أيام - ارتحل به أبو طالب تاجراً إلى الشام، حتى وصل إلى بصرى -وهي معدودة من الشام وقصبة لحوران، وكانت في ذلك الوقت قصبة للبلاد العربية التي كانت تحت حكم الرومان - وكان في هذا البلد راهب عرف ببحيرا واسمه جرجيس فلما نزل الركب خرج إليهم، وأكرمهم بالضيافة، وكان لا يخرج إليهم قبل ذلك وعرف رسول الله صلَّى الله عليه وسلم صفته، فقال وهو آخذ بيده: هذا سيد العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال أبو طالب: وما علمك بذلك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم على العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا وخرّ ساجداً، ولا تسجد إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة في أسفل غضروف كتفه مثل التفاحة، وإنا نجده في كتبنا، وسأل أبا طالب أن يرده، ولا يقدم به إلى الشام، خوفاً عليه من اليهود، فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى مكة. 7- 8 - حرب الفجار: ولخمس عشرة من عمره صلَّى الله عليه وسلم كانت حرب الفجار بين قريش ومن معهم من كنانة وبين قيس عيلان، وكان قائد قريش وكنانة كلها حرب بن أمية لمكانته فيهم سناً وشرفاً، وكان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة ، حتى إذا كان في وسط النهار كان الظفر لكنانة على قيس. وسميت بحرب الفجار لانتهاك حرمات الحرم والأشهر الحرم فيها، وقد حضر هذه الحرب رسول الله صلَّى الله عليه وسلم، وكان ينبل على عمومته، أي يجهز لهم النبل للرمي. 7- 9 - حلف الفضول: وعلى أثر هذه الحرب وقع حلف الفضول في ذي القعدة في شهر حرام، تداعت إليه قبائل من قريش : بنو هاشم، وبنو المطلب، وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة، فاجتمعوا في دار عبدالله بن جدعان التيمي لسنه وشرفه، فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها وغيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، وشهد هذا الحلف رسول الله صلَّى الله عليه وسلم، وقال بعد أن أكرمه الله بالرسالة: لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت. وهذا الحلف روحه تنافي الحمية الجاهلية التي كانت العصبية تثيرها، ويقال في سبب هذا الحلف إن رجلاً من زبيد قدم مكة ببضاعة، واشتراها منه العاص بن وائل السهمي، وحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الأحلاف عبد الدار، ومخزوماً، وجمحاً، وسهماً، وعدياً، فلم يكترثوا له، فعلا جبل أبي قبيس، ونادى بأشعار يصف فيها ظلامته رافعاً صوته، فمشى في ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال: ما لهذا مترك؟ حتى اجتمع الذين مضى ذكرهم في حلف الفضول، فقاموا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه حق الزبيدي بعدما أبرموا